أحمد بن علي القلقشندي

119

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

في شهور سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ ، وهو : الحمد للَّه الَّذي منح آل فضل في أيّامنا الزاهرة بحسن الطاعة فضلا ، وقدّم عليهم بقديم الإخلاص في الولاء من أنفسهم شجاعا يجمع لهم على الخدمة ألفة وينظَّم لهم على المخالصة شملا ، وحفظ عليهم من إعزاز مكان بيتهم لدينا مكانة لا تنقض لها الأيام حكما ولا تنقص لها الحوادث ظلَّا . نحمده على نعمه الَّتي شملت ببرّنا ، الحضر والبدو ، وألجهت بشكرنا ، ألسنة العجم في الشّدو والعرب في الحدو ، وأعملت في الجهاد بين يدينا من اليعملات ( 1 ) ما يباري بالنّصّ والعنق ( 2 ) الصّافنات في الخبب والعدو ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة ندرأ بها الأمور العظام ، ونقلَّد بيمنها ما أهمّ من مصالح الإسلام لمن يجري بتدبيره على أحسن نظام ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث من أعلى ذوائب العرب وأشرفها ، المرجوّ الشّفاعة العظمى يوم طول عرض الأمم وهول موقفها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين كرمت بالوفاء أنسابهم ، وأضاءت بتقوى اللَّه وجوههم وأحسابهم ، صلاة لا تزال الألسن تقيم نداءها ، والأقلام ترقم رداءها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى من أجنته الطاعة ثمرة إخلاصه ، ورفعته المخالصة إلى أسنى رتب تقريبه واختصاصه ، وألَّف بمبادرته إلى الخدمة الشريفة قلوب القبائل وجمع شملها ، وقلَّده حسن الوفاء من أمر قومه وإمرتهم ما يستشهد فيه بقول اللَّه تعالى : * ( وكانُوا أَحَقَّ بِها وأَهْلَها ) * ( 3 ) - من ارتقى إلى أسنى رتب دنياه

--> ( 1 ) اليعملة : الناقة الفارهة . ويوم اليعملة : من أيام العرب . ( معجم البلدان : 5 / 438 ) . ( 2 ) العنق : ضرب من السير فسيح سريع ، للإبل والخيل . والنصّ والنصيص : السير الشديد والحثّ . وأصل النصّ أقصى الشيء وغايته ، ثم سمّي به ضرب من السير سريع . وفي الحديث أن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حين دفع من عرفات سار العنق ، فإذا وجد فجوة نصّ ، أي رفع ناقته في السير . والصافنات : الخيول . ( انظر لسان العرب : 7 / 98 ) . ( 3 ) الفتح / 26 .